حيدر حب الله
18
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
وتستخير الله في الفعل الفلاني أي تطلب منه الخير فيه . ومن هنا ، تختلف الاستخارة عن التفأل - وسيأتي تفصيل الكلام في التمييز بينهما - والذي هو عبارة عن التيمّن بسماع كلمة طيّبة ، وهو مضادّ للطيرة والتشاؤم « 1 » ، وقد ذكر الفيض الكاشاني أنّ التفأل راجعٌ إلى التعرّف والاطلاع على الغيب ، فالتفأل بالقرآن يقصد به محاولة التعرّف على الغيب من خلاله ، وهذا غير الاستخارة التي يراد بها معرفة الرشد في الأمر الذي يراد فعله أو تركه ، أو هي تفويض الأمر إلى الله تعالى في التعيين واستشارته في ذلك « 2 » . وهذا التمييز قبل به جمهور العلماء فيما يبدو ، إلا أنّ المحقّق النجفي توقّف في هذا التمييز على مستوى الاستخارة التي يراد منها استعلام الخير « 3 » ، وسوف يأتي البحث عن ذلك إن شاء الله ، إلا أنّه لا شك في أنّ أصل معنى الاستخارة - لا سيما بما لها من مدلول لغوي - مختلف عن معنى التفاؤل والتفأل كما هو واضح . ونجد مصطلحاً آخر ينبغي رصده هنا ، وهو القرعة ؛ لأنّه قد يجد الإنسان وجهَ شبهٍ فيما بين القرعة والاستخارة ، إلا أنهما متمايزان في الحقيقة اللغوية ، فالقرعة يهدف منها تمييز الأمور ، وغالباً إن لم يكن دائماً تكون في مورد التنازع ، فيراد منها فضّ هذا التنازع ، وهذا على خلاف الاستخارة التي هي مجرّد طلبٍ للخير من الله ، في علاقةٍ ليس بالضرورة أن يكون فيها طرف بشريٌّ آخر . نعم ، ذهب السيد البجنوردي إلى أنّ بعض أنواع الاستخارة يمكن أن يعدّ من
--> ( 1 ) انظر : العين 8 : 336 ؛ ولسان العرب 10 : 167 ، 168 . ( 2 ) الكاشاني ، الوافي 9 : 1417 . ( 3 ) جواهر الكلام 12 : 171 .